محمد بن جرير الطبري
339
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا . قال : وقوله : ( لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) [ سورة المائدة : 80 ] كمثل ذلك . والعرب تجعل " ما " وحدها في هذا الباب ، بمنزلة الاسم التام ، كقوله : ( فنعما هي ) [ سورة البقرة : 271 ] ، و " بئسما أنت " ، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز : لا تعجلا في السير وادْلُوها . . . لبئسما بطءٌ ولا نرعاها ( 1 ) قال أبو جعفر : والعرب تقول : لبئسما تزويج ولا مهر " ، فيجعلون " ما " وحدها اسما بغير صلة . وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي " بئس " معرفة مُوَقَّتَة ، وخبره معرفة موقتة . وقد زعم أن " بئسما " بمنزلة : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم ، فقد صارت " ما " بصلتها اسما موقتا ، لأن " اشتروا " فعل ماض من صلة " ما " ، في قول قائل هذه المقالة . وإذا وصلت بماض من الفعل ، كانت معرفة موقتة معلومة ، فيصير تأويل الكلام حينئذ : " بئس شراؤهم كفرهم " . وذلك عنده غير جائز : فقد تبين فساد هذا القول . ( 2 ) وكان آخر منهم يزعم أن " أن " في موضع خفض إن شئت ، ورفع إن شئت . فأما الخفض : فأن ترده على " الهاء " التي في ، " به " على التكرير على كلامين . كأنك قلت : اشتروا أنفسهم بالكفر . وأما الرفع : فأن يكون مكرورا على موضع " ما " التي تلي " بئس " . ( 3 ) قال : ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك : " بئس الرجل عبد الله . ( 4 ) وقال بعضهم : " بئسما " شيء واحد يرافع ما بعده ( 5 ) كما حكي عن العرب :
--> ( 1 ) لم أعرف الراجز ، والبيتان في اللسان ( دلو ) . دلوت الناقة دلوا : سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها : أطلقها في المرعى . ( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 56 - 57 ، كأنه قول الكسائي . والمعرفة الموقتة : وهي المعرفة المحددة . وانظر شرح ذلك فيما سلف 1 : 181 ، تعليق : 1 . ( 3 ) في المطبوعة : " مكررا " ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 56 . ( 4 ) هذه الفقرة هي نص كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 56 . ( 5 ) في المطبوعة : " يعرف ما بعده " ، والصواب ما أثبت .